حسن الأمين
331
مستدركات أعيان الشيعة
لقد رأيت في هذه الرسالة ضربا من الوفاء لا تكليفا بمهمة متعبة ، لذلك تقبلتها بكل ترحيب وعزمت على إنجاد الفتاتين مهما كلفني ذلك من جهد ومراجعة ، بل وتوسل . لقد كان شيئا طبيعيا أن ترسل مثل هذه الرسالة إلى أستاذ عراقي في المعهد ، فالطالبتان عراقيتان ، والأستاذ العراقي أولى بان يستنجد به في هذا الاهتضام . . . أما أن تستنجد الطالبتان العراقيتان الموصليتان باستاذهن اللبناني لانقاذهما من مازقهما فهو غير الطبيعي وغير المنتظر . ولكن هذا ما وقع ! . . لقد كان الوفاء وحده ، الوفاء العراقي الأصيل هو الدافع لذلك . إنني نشرت الرسالة بنصها ، مع ما فيها من ثناء علي ، وهذا ممجوج عندي ، ممجوج أن ينشر الإنسان بنفسه الثناء على نفسه ، وقد يرى القارئ في الكلام الآتي شيئا من الثناء على النفس وهو أشد مجاجة عندي . ولكني متحمل لهذه المجاجة لأنها ستوصلني إلى ذكر ما أكبره من الوفاء العراقي . لقد تذكرت هاتان الطالبتان وهما في محنتهما ما كانت تلقاه الطالبات مني من الرعاية لأمورهن والعناية بشئونهن ، فكانت رسالتهما إعلانا لذلك ، وكان تكليفي دليلا على أنهما تحفظان لي ذلك . ومن هنا قلت أني فهمت الرسالة وفاء لا إشغالا لي بما ينبغي أن يشغل به غيري . فانطلقت متصلا بكل من له تأثير من أصدقائي ، فكانوا يستغربون اهتمامي بطالبتين موصليتين هذا الاهتمام الشديد ، بل أن نافذا عراقيا في وزارة المعارف لم يتردد بان يتكلم بما يدل على أن من الفضول أن يهتم أستاذ لبناني بطالبتين عراقيتين . ولم يكن الآمر سهلا ومضى الوقت ولم نصل إلى النتيجة ، ولم أجب الطالبتين على رسالتهما لأني أردت أن يكون الجواب مقرونا بالنجاح . ولم تحسب الطالبتان عدم إجابتي لهن إهمالا مني ، ولا خطر لهما أن طول المدة ناتج عن عدم العناية بأمرهما . لذلك أرسلتا رسالة أخرى كلها أمل واستحثاث . ولما تحقق ما نريده كتبت لهما جوابا وقلت لهما لن يطول الأمر أكثر من يومين أو ثلاثة حتى يصلهما أمر تعيينهما . وقد كان ذلك . وكانت إحداهما : لطفية غير قوية في النحو ، وكان يربكها التمييز بين ( لا ) النافية للجنس و ( لا ) النافية للوحدة . فلم أزل بها في الدرس حتى استقام الأمر لها ، لذلك ختمت كتابي متسائلا ممازحا : كيف حال لطفية الآن مع ( لا ) ؟ . فجاءني منهما جواب تقولان فيه : لقد تحقق رجاؤنا بفضل مساعيك فشكرا لك على عنايتك بأمرنا وألف شكر . ابتدأنا بمباشرة العمل يوم 31 / 12 / 46 . ثم تسترسلان في ثناء طويل ، وأخيرا تختتمان رسالتهما قائلتين : إن لطفية لا تزال تتذكر ( لا ) النافية للجنس و ( لا ) النافية للوحدة والفرق بينهما وهاك أمثلة على ذلك : لا النافية للجنس : لا خير في علم لا ينتفع به . لا النافية للوحدة : لا رجل في البيت بل رجلان . ومن تلك الذكريات أن المتخرجات كن يطلبن إلي أن أسجل لهن كلمة تبقى ذكرى لعهد الدراسة ، كما كان بعض من لم يتخرجن يطلبن مثل ذلك . فمما سجلته للمتخرجات هذه الكلمة : « لطفية المفتي من الطالبات اللواتي أذكرهن بكل خير لما تجلى لي فيها من الروح الأدبية الصحيحة ، فقد لفت نظري لأول مرة عندما كلفتها مع رفيقاتها وكن في الصف الأول أن يصفن سفرهن وعودهن في عطلة العيد ، فكتبت عن ذلك قطعة جميلة . ولم أكن أحسب أن فيها موهبة شعرية حتى فاجاتني في أواخر هذا العام بشعر فيه كل مزايا الشعر الصحيح . على أن لطفية تجمع في شخصها المتناقضات ، فهي تنثر وتنظم ، ولكن بينها وبين سيبويه وقواعد سيبويه عداء مستحكما فهي لا تبالي أن ترفع المنصوب وتنصب المرفوع ، وهي بقدر ما تتذوق الأدب وتهضمه ، لا تتذوق النحو ولا تهضمه ! . . . وإذا ما تذكرت دائما نثرها العذب وشعرها الحسن ، فاني إلى جانب ذلك سأتذكر دائما أجوبتها النحوية الطريفة التي لا تربطها بالنحو رابطة ولا تجمعها به صلة ! . . وسأذكر دائما أيام الصف الثاني ( الفرع الانكليزي ) ، صف لطفية وزميلاتها ، وما كان في ذلك الصف من خلق كريم وأدب رفيع وكسل متواصل . . . « اه . ومما سجلته لغير المتخرجات هذه الكلمة : « تصرمت الأعوام وتوالت الأيام ، وها هي السنة الثالثة في معهد الملكة عالية آخذة بالانسلاخ ، وعما قريب تنقضي السنة الرابعة فينتشر هذا الجيل الكريم من الفتيات بعد أن يكون قد عب من موارد العلم ما عب ، وغدا لا يبقى من كل هذه السنوات إلا أطياف تتراءى من وراء الزمن ، فاية أحاسيس يمكن أن تلتمع في الذهن لمن قدر له أن يقف من هذا الجيل الصاعد موقف المعلم ؟ . غدا عندما نعود فنضرب في آفاق الأرض وقد أصبح لكل منا وجهة هو موليها ، غدا عندما يفصلنا عن تلميذاتنا ما لا يحصى من الأبعاد والأزمان ، غدا سنتذكر أنه كان لنا في سالف الأيام تلميذات جمعن إلى رصانة الخلق رجاحة العقل ، وضممن إلى التهذيب العلم الجم ، وسنذكر أنه كان لنا بعض اليد في إعدادهن لمستقبلهن العتيد ، غدا ستكون هذه الذكرى من أحب الذكريات إلى خواطرنا . وإذا كنت لن أنسى أيام العراق ما حييت فإنني لن أنسى - على الأخص - أيام معهد الملكة عالية ، ولن أنسى أن فتياته اللواتي ملأن نفسي ثقة بمستقبل الفتاة العربية وأفعمن جوانحي اعتزازا بها وإكبارا لها . وقد كانت نجلاء الخطيب في الطليعة . وإذا كان لي ما أحثها عليه فهو أن لا تهمل موهبتها الأدبية وأن تعمل على استكمال قريحتها النثرية والشعرية .